عبد الكريم الخطيب
1033
التفسير القرآنى للقرآن
وثانيا : أن المسلم - في أىّ زمن - لا يؤدى فريضة الحجّ إلا بعد أن يكون قد تمرّس بالإيمان ، وأقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وصام رمضان . . وكثيرا ما يكون ذلك زمنا طويلا يمتدّ إلى عشرات السنين . . فإذا جاء إلى الحجّ ، والتقى بأعماله ، لم يكن في خاطره أية طرفة يطرف بها إلى أماكن الحجّ وأشيائه ، إلا على أنها من شعائر اللّه ، وأنها معلم من معالم اللّه - سبحانه - على هذه الأرض ، وأن تعظيمها هو تعظيم للّه ، ومبالغة في الامتثال لأمره ، حيث يقوم التعامل بين الحاج وبين ذوات أشياء هي من آيات اللّه . . وإنها في هذا لأشبه برسله ، « مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ » ( 80 : النساء ) . وثالثا : في قوله تعالى : « فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ » إشارة إلى أن تعظيم هذه الشعائر ، هو تعظيم للّه ، يتجلّى فيها درجة إيمان المؤمنين ، وينكشف بها ما عندهم من تقوى . . إذ كانت هذه الأعمال - كما تبدو في ظاهرها - ما عندهم من تقوى . . إذ كانت هذه الأعمال - كما تبدو في ظاهرها - خارجة عن منطق العقل . . ! والإيمان - في حقيقته - هو حبّ خالص للّه ، والحبّ إذا كان صادقا ، لا يسمع صوت العقل ، ولا يستجيب له ، وإنما يتلقى من القلب ، ما يحدّثه به ، ويدعوه إليه . . ولهذا جاء قوله تعالى : « فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ » ليكشف عن أن تعظيم هذه الشعائر ، وإتيانها في إيمان وإخلاص ، وحب وشوق - إنما هو من وحي القلوب ، ومن خفقات الإيمان الثابت فيها ، ومن إشارات التقوى المتمكنة منها . . وفي الكلمة المأثورة عن عمر بن الخطاب ، وهو يقبّل الحجر الأسود حين قال : « أعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع ، ولولا أنى رأيت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقبّلك ما قبلتك » - في هذه الكلمة ما يكشف عن هذا الحبّ للّه ، ولرسول اللّه ، ومتابعته في كلّ قول ، وعمل ، وإن جاء هذا القول أو العمل ، فوق مدارك العقول ! . . ومن أجل هذا فقد وقف القرآن الكريم هذه الوقفات الطويلة